هُدَّامُ الكعبة..!!
بالعودة إلى جميع الديانات الوضعية وتعاليم الفلاسفة، وما تبع ذلك من ديانات سماوية - كاليهودية والنصرانية - نجد أن ما يتصدْر الأفعال التي تجرمها لمخالفتها لما هو إنساني هي جريمة القتل العمد التي ترى أن مرتكبها لا يستحق الانتماء إلى الإنسانية والارتقاء بحيوانيته. 
وبالوقوف أمام الدين الإسلامي الحنيف؛ يتضح لنا دونما عناء بحث أنه لم يتشدّد إزاء أي فعل يتنافى مع إنسانية بني آدم - المكرمة - كتشدده في جريمة القتل العمد والقتل دون حق.. وأن من يُقدم على ذلك، لا توبة له - أي لا تُقبل له توبة، وإن فعل ما فعل أو مات حسرةً وندماً - ولا مكانة له في رحمة الله التي وسعت كل شيء عدا توبة القاتل العمد، من لا نتردّد في القول إن عليه أن يقنط من هذه الرحمة والغفران، وهذا ما تثبته الكثير من الشواهد والأدلّة المستمدة من القرآن الكريم، ومن سنة رسوله (صلّى الله عليه وسلّم) وأقوال ومواقف الخلفاء الراشدين ومن يُقْتَدى به من السلف الصالح. 
في القرآن الكريم ها هي كل الآيات التي تنصُّ على عقوبات من أخطأوا أو أذنبوا أو أجرموا تُخْتتمُ بقوله تعالى: «إِلَّا مَنْ تَابَ» أو «إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً» كما ورد في سورة «مريم" وسورة «الفرقان» وغيرهما، ويستثنى من ذلك جريمة القتل، حيث لم تُختتم الآيات المُحدِّدَة لعقوباتها بقوله تعالى: «إِلَّا مَنْ تَابَ» وفي هذا دليل على أن لا قبول لتوبة قاتل عمد أو بغير حق، وأن لا مناص له من العقاب المنصوص عليه في القرآن والتخليد في قعر جهنم. 
ليس في جريمة القتل العمد ما يشير إلى قبول توبة مرتكبها كقوله تعالى: «إِلَّا مَنْ تَابَ» وذلك لهول الجريمة والإثم والذنب الذي لا يُغتفر، وإذا ما اكتفينا بهذه الإشارة إلى الشواهد القرآنية، وانتقلنا إلى الشواهد من السنّة النبوية - على صاحبها وآله أفضل الصلاة والتسليم - أمكننا الاكتفاء بقول الرسول الكريم: «إن هدم الكعبة حجراً حجراً أهون على الله من قتل امرئ مسلم بغير حق» وفي هذا الحديث الشريف ما يستحق التوقف أمامه كثيراً، وهو لماذا لم يكتفِ الرسول (صلّى الله عليه وسلّم) بقول: (إن هدم الكعبة أهون على الله.. إلخ) بل قال: (إن هدم الكعبة حجراً حجراً) فما أراه أنا - وهذا اجتهاد شخصي، إن أخطأت فيه فلي أجر واحد - أن في القول «حجراً حجراً» ليس التأكيد على الهدم الكامل وحسب، بل إشارة إلى أن الهدم على حجر حجر يستغرق أياماً متتالية - حتى تسوّى بالأرض - وعلينا أن نتصوّر غضب الله ونقمته على من يمارس عملاً كهذا بإصرار واستمرار يستغرق أياماً متتالية دون أن يتراجع عن قبح ما أقدم عليه ويرعوي عن جريمة وفعل يُغضب الله سبحانه، وهذا الغضب لا ينحصر على مرتكب هذا الجرم البشع؛ ولكنه يشمل من لا يردع تلك اليد الآثمة، ويمنع ما يحدث لأيام متوالية. 
هذا ما أراه، وفي اختيار الكعبة المشرّفة - قبلة المسلمين وأشرف وأقدس المقدّسات الإسلامية والدينية عموماً - لتكون أهون على الله من قتل مسلم بغير حق، توضيح صريح لحرمة حق الإنسان في الحياة ولروحه التي لا يقبضها إلاّ مُرسلها أو باعثها وهو الخالق سبحانه. 
هذه هي جريمة القتل بغير حق عند الحق تعالى، لا قبول لتوبة مرتكبها، ولا مناص له من العقاب جزاء فعل يفوق إثماً وبشاعةً، جرم هدم الكعبة حجراً بعد حجر. 
الخلاصة أنه لا اعتداء على الأنفس ولا خَرْم لأجل وحقٍ في الحياة بغير حق، فما هو هذا الحق..؟.
هذا الحق وضَّحَهُ الله جلّ شأنه في كتابه المحفوظ بالقصاص العادل كون (النفس بالنفس) ولأن للناس في القصاص حياة، أي منعاً للثارات والانتقام والأحقاد، وكل ما يعانيه المجتمع جرّاء عدم تطبيق القصاص العادل المبيّنة إجراءاته وفق الشريعة السمحة، وكذلك في حالة الدفاع عن الوطن والعرض. 
إنه الحق الذي وضَّحَهُ وحدّده القرآن الكريم، وليس ما يفسّره من يستغل المفاهيم القاصرة والمحدودة بشؤون الدين وعدله، فيفتون بتكفير هذا، وإرعاب الآخرين بذبح ذلك، وتبرير واستباحة قتل ذاك لأنه طالبٌ في كلية عسكرية أو أمنية سيخدم النظام القائم بعد تخرجه، أو لأنه جندي يحرس الأمن ويحمي نظام حكم يريدون إسقاطه والاستيلاء عليه أو لأنه عالم أو كفاءة وخبرة سيستفيد منها خصمه أو من يخالفه الرأي، أو لأنه يخدم حقيقة يريدون إخفاءها أو تشويهها. 
من يقدمون على القتل ويحرّضون عليه ويفتون به بتلك المفاهيم المخالفة لما وضَّحَهُ القرآن الكريم ورسوله القائل لأعداء رسالته المحاربين لرحمة وهداية رسالةٍ حملها: (اذهبوا فأنتم الطلقاء) هم هُدَّامُ الكعبة عند الرسول الخاتم، وهم المخلّدون في جهنم عند الله سبحانه، لا قبول لتوبتهم إن تابوا وندموا.. وهم عند المؤمنين العارفين بالله وبدينهم، هُدَّامُ مجتمعٍ، ومخربو أمن وسكينة، وباعثو فتن من مراقدها. 
اللَّهم إنا نَبْرأُ إليك ممن استباحوا محارمك، وسعوا ويسعون إلى قتل النفس بغير حق، ويهدمون مقدّسات الدين الحنيف، ممثّلة في الكعبة المُشرّفة لهدف دنيوي ونزوات شيطانية خبيثة، وإذا ما كان لا أمل في صلاح لمن لا قبول لتوبة منهم؛ فليعملوا على تخفيف ما ينتظرهم من جزاء بالتوقف، حيث هم أو بآثام كسبوها، لا حاجة لهم بالمزيد منها، وأن يحرصوا على شيء من إنسانيتهم، وإن كان من قتل نفساً متعمّداً فكأنما قتل الناس جميعاً. 
شيء من الشعر: 
يا خاتماً، يا رحمةً، وصَفَيُّ مَنْ 
         أسرى إليك بِوَحْيِهِ «جبْريلا» 
تَممْتَ ما أخواكَ «موسى» و«المسيحُ» 
            تَسَلَّماهُ، مَكَارِماً، وحُلُولا 
تاللهِ، نحن الحافِظُونَ لديننا 
        المانِعُونَ عن الحياض دَخِيْلا 
المُعْرضُونَ بِحلْمناَ عن جَاهلٍ 
         جعَل الغُرابَ لمِا يَرَوُم دليلا 
.

في الإثنين 10 فبراير-شباط 2014 11:17:02 ص

تجد هذا المقال في ردفان برس
http://rdfanpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://rdfanpress.com/articles.php?id=960