ترجمة القرآن الكريم
دكتور/د.عمر عبد العزيز
دكتور/د.عمر عبد العزيز
تنطلق الباحثة أُميمة حسن شكري زيوار من منهج لساني يتلخَّص في تعددية دلالة اللفظة في القرآن الكريم، وهو ما تم التعارف عليه اصطلاحياً بالانجليزية بكلمة polysemy، وهي كلمة تقابلها بالعربية ما يمكن اعتباره «تعدداً وتشابهاً في آن واحد»، بما يذكرنا بشعرية الشعر .. يقول الشاعر في تعريفه للشعر : 
آخذٌ نفسي بتأليف شيءٍ  واحدٍ في اللفظ شتَّى المعاني 
وبهذا القول يحدد الشاعر ماهية التعددية الدلالية في لغة الشعر من خلال ذلك «اللفظ المتعدد في المعاني»، ومن هنا كان استيهام العرب قديماً في لغة القرآن.. عندما اعتبروه نوعاً من الشعر، لكنهم سرعان ماعرفوا أنه ليس بقول شاعر ولا مجنون، بل كلامٌ مُعجز تنزَّل بلغتهم متجاوزاً لغتهم. 
قال إعرابي راجعٌ من منتدىً للمتأدِّبين في بغداد هارون الرشيد.. قال : رأيت في بغداد قوماً يتكلمون بلغة من لغتنا، وليست بلغتنا!!.ـ 
والحال أن الذين سمعوا القرآن الكريم بدايةً أدركوا أنه بلغة العرب المتداولة، لكنه لم يكن سياقاً وصرفاً بذات القيمة المألوفة في لغة العرب، ففتنوا بسحر القرآن وبيانه.. ببديعه وجماله.. بإحالاته اللامتناهية في المعنى والمبنى، وتلك كانت معجزة القرآن الكريم. 
في هذا الإصدار الهام باللغة الانجليزية .. ضمن مصفوفة إصدارات الشارقة عاصمة الثقافة الإسلامية، نتوقَّف أمام هذه المسألة الهامة.. من خلال رسالة ماجستير مُجازة ومُحكَّمة أكاديمياً.. رصدت فيها الباحثة أربع ترجمات إنجليزية للقرآن الكريم.. انطلاقاً من تعددية المعنى في الكلمة القرآنية الواحدة، مصداقاً لقوله تعالى: «قُلْ لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدداً» ، وكأن السياق الصرفي العام للجملة القرآنية يتطلب ابتداءً استكناه الجملة لمعرفة معنى الكلمة، فالإمساك الرائي بمسافة التوتر الدلالي والقاموسي بين المعنى الواضح والغموض الماسي، واستيعاب مفهوم الاتصال غير اللفظي في مثل هذا السياق، حتى نقف أمام إشكاليات ترجمة القرآن الكريم التي تذكرنا بما فعله المستعرب الروماني جورجي جريجوري.. يوم أن قرر خوض تجربة أول ترجمة كاملة للقرآن الكريم إلى اللغة الرومانية، فكان عليه أن يكتب رسالة الدكتوراه السابقة على مشروع الترجمة والتي جاءت بعنوان: «إشكاليات ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة الرومانية» 
 problemtica traducerii CORANULUI in limba romana 
ولقد تطلب منه هذا الأمر قراءة ومراجعة علوم التفسير والكلام، وعلوم القرآن الكريم بتفريعات الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه، وغيرها من آفاق ارتيادية استيعابية وتمثُّلية للقرآن الكريم، مستنداً على ذخيرة لغوية ومعرفية باللغات العربية والرومانية والإنجليزية والفرنسية، مُقرراً في نهاية المطاف أنه قدَّم تفسيراً للقرآن الكريم، لا ترجمةً له. 
الأُطروحة الماثلة لأميمة حسن شكري زيوار، تبحث في هذ الموضوع القرآني اللساني الاتصالي النحوي والصرفي، وهي بهذا المعنى تقدم إرشاداً جوهريا لمن يقرأون القرآن بلغات غير عربية، فتلك الترجمات تتوق حصراً لتقريب الأبعاد المفاهيمية الشارحة لمحتوى النص الإلهي، ولا يمكنها بحال من الأحوال تقديم نصٍ موازٍ للقرآن الكريم.. بالمعنى الدقيق والشامل للكلمة، وهو الأمر الذي أدركه كثيرٌ من المترجمين المُستعْربين الرائين لفضاءات اللغة العربية وأبعادها الصوتية والصرفية، حتى أن بعضهم لجأ إلى تدوين المصطلحات القرآنية في قواميس موازية للترجمات، فالصراط لا يُفهم بوصفه طريقاً بالمعنى الفيزيائي للكلمة، والثواب والعقاب ليسا ثنائية تصادمية اعتيادية، بل من الخير ما يخرج من تضاعيف الابتلاءات والشرور، ومن الشر ما يتأتَّي من عوالم الغفلة والجهالة المقرونة بالاسترخاء والفرح.. وهكذا. 
ومما لاجدال فيه أن الاجتهاد في علوم القرآن الكريم.. تفسيراً وتأويلاً وترجمةً.. أمرٌ لا سبيل لقول كلمة قاطعة مانعة فيه، وحسب كل مجتهد أن يغترف ما يَعنُّ له من هذا البحر الغزير الذي يتفتَّق دوماً وأبداً عن مستجدات لا حد لها ولا حدود، ومن هذا المنطلق نحسب أن ما لدينا في هذا البحث الأكاديمي اجتهاداً له أجر المحاولة إن كان هناك ما يشوبه من نقائص قابلة للاستكمال، وله أجران إن أصابت فيه الباحثة. 
Omaraziz105@gmail.com 


في الجمعة 06 مارس - آذار 2015 08:47:57 ص

تجد هذا المقال في ردفان برس
http://rdfanpress.com
عنوان الرابط لهذا المقال هو:
http://rdfanpress.com/articles.php?id=2524